شبكة شايفك :على جمعة: المقصود بالأضحية شكر الله تعالى على نعمة الحياة

لم يشرع الإسلام شيئًا إلا لحكمة بالغة وهدف نبيل‏،‏ فما من عبادة أو شعيرة شرعت في الإسلام إلا وكان الهدف الأسمى منها هو التقرب إلى الله وزيادة درجة التقوى وتحقيق مصلحة الفرد والمجتمع.

الدكتور على جمعة عضو هيئة كبار العلماء، يقول إن حياة المسلم يجب أن تكون  كلها لله رب العالمين‏,‏ قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ}.

ومن نفحات الله وفضله على عباده أن جعل لهم مواسم يتقربون إليه فيها بعبادات متنوعة‏,‏ ليزدادوا قربا وعطاء وأنسا به سبحانه‏,‏ ومن تلك الأوقات المخصوصة بمزيد رحمة وإحسان العشر الأوائل من ذي الحجة التي أقسم الله تعالى بها‏: {وَالفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} وقال فيها رسول الله ﷺ‏: ‏«ما العمل في أيام أفضل منها في هذه‏ ‏ قالوا: ولا الجهاد؟ قال‏: ‏ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء»  (‏صحيح البخاري) ولذا يستحب التقرب إلى الله في هذه الأيام المباركة بجميع الوسائل‏.‏

و يشير جمعة إلى أن الأضحية من هذه الوسائل التي يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى في أيام النحر بشرائط مخصوصة‏، والمقصود بالأضحية شكر الله تعالى على نعمة الحياة إلى حلول الأيام الفاضلة من ذي الحجة وعلى التوفيق فيها للعمل الصالح‏.‏

وأضاف، وتشتمل الأضحية على معان جليلة وحكم قيمة‏;‏ منها‏:‏ التشبه بالحجاج حين ينحرون هديهم في فريضة الحج‏,‏ سواء على وجه الوجوب للمتمتع والقارن أو على الاستحباب للمفرد‏,‏ قال رسول الله ﷺ‏:‏ «ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها‏,‏ وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض فطيبوا بها نفسا» (‏الترمذي‏).‏

ومن التشبه بالحجاج أيضا في الأضحية أنه يسن لمن أراد الأضحية عدم قص الأظافر وحلق الشعر إلا بعد ذبح أضحيته‏,‏ كما هو شأن الحجاج‏,‏ وهو تشبه بهم في كونهم شعثا غبرا‏,‏ فعن رسول الله ﷺ أنه قال‏: «‏من أراد أن يضحي فلا يقلم أظفاره ولا يحلق شيئا من شعره في العشر الأول من ذي الحجة» (‏سنن الدارمي‏).‏

و يشير جمعة إلى أن من التشبه بالحجاج أيضا في الأضحية التوسعة على الفقراء والمساكين وإدخال السرور عليهم‏,‏ كما قال تعالى‏: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ},‏ ولذلك كان تقسيم الأضحية كما قال الإمام أحمد‏:‏ نحن نذهب إلى حديث عبد الله‏:‏ يأكل هو الثلث‏,‏ ويطعم من أراد الثلث‏,‏ ويتصدق بالثلث على المساكين‏,‏ وقال الشافعي‏:‏ أحب ألا يتجاوز بالأكل والادخار الثلث‏,‏ وأن يهدي الثلث‏,‏ ويتصدق بالثلث‏. (‏تفسير ابن أبي حاتم‏)‏ ومن هنا قال تعالى‏: {لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} ,‏ ففي الآية دلالة صريحة على أن الأضحية لا تطلب لذاتها‏,‏ ولكن للتوسعة على الفقير وابتغاء التقوى ومحبة الخير لكل الناس‏,‏ ويؤكد ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها‏: «أنهم ذبحوا شاة فقال النبي ﷺ‏: ‏ما بقي منها؟ قالت‏: ‏ما بقي منها إلا كتفها‏.‏ قال‏: ‏بقي كلها غير كتفها‏» (‏الترمذي‏).‏

ومن حكم مشروعية الأضحية  كما يقول الدكتور على جمعة تحقيق فضيلة التقوى‏,‏ وذلك بالإذعان والطاعة والانقياد لأمر الله تعالى حيث قال‏: {لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ} ,‏ وتتحقق التقوى كذلك بحسن اتباع رسول الله ﷺ في هديه وبيانه لشروط الأضحية التي تدور حول سلامتها من العيوب تقوى للمضحي ونفعا للفقير‏,‏ قال رسول الله ﷺ‏: (‏أربع لا تجوز في الأضاحي‏:‏ العوراء بين عورها‏,‏ والمريضة بين مرضها‏,‏ والعرجاء بين ظلعها‏, ‏أي عرجها‏,‏ والكسير التي لا تنقي‏,‏ أي الهزيلة‏) (سنن أبي داود‏)‏ ذلك أن الله طيب لا يقبل إلا طيبا‏,‏ قال تعالى‏: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ},‏ والإنفاق لا يكون إلا من أطيب ما يملكه الإنسان‏.‏

وفي الأضحية كذلك نوع إشارة إلى القربان الأول في حياة البشرية حيث قدم كل من ولدي آدم قربانا‏, ‏فقدم هابيل كبشا من أجود الكباش التي يملكها‏,‏ في حين قدم قابيل بعضا من أردأ ثمار الأرض التي يملكها‏,‏ فتقبل الله قربان هابيل ورد قربان قابيل‏,‏ قال تعالى‏: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ},‏ فقبول العمل مرتبط بالتقوى‏, ‏وعلامة ذلك البذل والعطاء مما يحبه الإنسان‏,‏ قال تعالى‏: {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}.‏

وفي الذبح والأضحية تذكير بسيدنا إبراهيم عليه السلام وإحياء لسنته‏,‏ إذ ابتلي فصبر‏,‏ وقدم أمر الله سبحانه ومحبته على فلذة كبده وولده إسماعيل‏,‏ حين امتثل لأمر الله وهم بذبحه‏,‏ ففداه الله عز وجل‏: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ).‏

لكل هذه المعاني ولغيرها كانت الأضحية ذات شأن ومشروعية واستحباب من قبل الشرع الشريف‏;‏ إذ فيها دلالة على حسن العلاقة بين العبد وربه‏, ‏وبين الإنسان وأخيه الإنسان‏,‏ ولذلك قال ﷺ‏:‏ «من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا‏» (‏مسند أحمد‏).‏

و يشير جمعة الى ان وقت الأضحية يبدأ من بعد صلاة العيد لقول الله تعالى‏: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ},‏ وقال رسول الله ﷺ‏: «من ذبح بعد الصلاة تم نسكه‏,‏ وأصاب سنة المسلمين» (‏البخاري ومسلم‏),‏ وينتهي الوقت بغروب شمس ثالث أيام التشريق‏,‏ وفي ذلك توسعة للزمان حتى تتحقق التوسعة على الفقراء طول أيام العيد‏.

قد يعجبك ايضا
نسعد بتعليقك