“الإنسان النموذجي” أساس تحقيق “محيط العمل النموذجي المستقبلي”

بقلم د. رانيا كفروني فرح

“الإنسان النموذجي” أساس تحقيق “محيط العمل النموذجي المستقبلي”

 

كثرت الدراسات والاجتهادات حول أهمية “أخلاقيات العمل” أو ما يعرف بالـWork Ethics، والملفت أنّ هذه الدراسات تشير إلى أن “أخلاقيات العمل” حاجة ملحة لتحقيق نجاح المؤسسات واستمراريتها، كما غزارة وجودة انتاجها… وتشدد على أنّ الالتزام بالمبادئ والسلوك الأخلاقي، إن كان على صعيد الفرد أو المؤسسات، يقوي الإلتزام بمبادئ العمل الصحيح والصادق… أيضًا، تتالت الدراسات حول ما يُدعى بـ”بيئة العمل السامة” أو “Toxic Work Environment” وتأثيراتها على كل من صحة المرء الجسدية والنفسيّة، أيضًا على مقدرته الإنتاجية… ويعزز هذه البيئة غياب “أخلاقيات العمل” عن ممارسات قياديي تلك المؤسسات. ومن الملفت أيضًا أن تشير تلك الدراسات إلى أنّ اعتماد “أخلاقيات العمل” تعزز انتماء الفرد إلى المحيط العملي…

لعلّ سعي المؤسسات إلى إحقاق “أخلاقيات العمل” وعيًّا أو لاوعيًّا منها، هو تعبير عن نزعة الإنسان الداخليّة الدفينة إلى ممارسة “ما هو صحيح“، أو “ما هو إنساني راقي“… ولعلّ القول الأصح، إنه لو مارس الأفراد كما المؤسسات أعمالهم  بأخلاقية حقّ لما كان من الضروري إقرار تلك القوانين أو المثل ومراقبة تنفيذها عمليًّا كأنظمة داخلية، ودولية خارجيّة. فيما تعكس “بيئة العمل السامّةToxic Work Environment تفاقم إفرازات مسلك النفس البشريّة السلبي في محيط العمل، المدعّم بحبّ السلطة والتسلط والنفوذ والمال واللامصداقيّة والمراوغة والزيف و…و… وصولًا إلى الفساد والسرقة والتزوير إلى ما هنالك… دليل حبّ السلطة والمادة والنفوذ…

في تعريف مقتضب لـكلمة “أخلاقيّات”، تشير بعض المراجع أنّ كلمة Ethics في اللغة الإنكليزية مشتقة من الكلمة اليونانية القديمة ēthikós، وتعني “ما هو مرتبط بشخصية الفرد”، وهي مشتقة بدورها من كلمة êthos، وتعني “الشخصية Character” . أيضًا، تعريفات أخرى تشير إلى أنّ “الأخلاقيات” هي علم “الشخصية الإنسانية المثالية“، فيما “أخلاقيات العمل” هي المقدرة على الحفاظ على القيم الأخلاقية السليمة داخل مكان العمل، والتي تحدد الطريقة التي يؤدي بها المرء واجباته الوظيفية بمعايير أخلاقية عالية.         وفي حين أنّ إزالة القشور والسلبيات بين الأفراد عامة، وفي نطاق العمل خاصة، لا يتحقق إلّا عبر إزالتها من النفس البشريّة أوّلًا- وهو شغل علوم الإيزوتيريك الشاغل- أي صقل تلك “الشخصيّة” الـ Character بالمبادئ الإنسانيّة…

لم يعد من المستغرب أن تستقي “أخلاقيات العمل” مبادءها من نهج علوم الإيزوتيريك… ليولد مستقبلًا “محيط العمل النموذجي“، ليكون خير تمثيل لـ “الإنسان النموذجي“، إنسان الوعي…

رأيي، أنّ “أخلاقيات العمل” مستقبلًا، وفي تصوّر لها مستوحى من مبادئ علوم الإيزوتيريك الإنسانيّة الساميّة، سوف ترتفع على مداميك وعي أساس، ألا وهي:   

      أوّلًا- اقتران الشفافيّة الفكريّة بكل من الصدق والرقابة الذاتيّة والنظافة الداخليّة. حيث ’الضمير العملي‘ يوجه أعمال المرء وقراراته وأفعاله… والذي يترجم نفسه صدقًا، ووفاءً للعمل.

         ثانيًّا- احترام النفس أوّلًا والآخرين ثانيًّا (جسديًّا- مشاعريًّا- فكريًّا وإنسانيًّا)، مع تدعيم تقدير النفس والثقة بها وبأعمالها وبمقدراتها.   

      ثالثًا- تطبيق معادلة “الكل يعمل للفرد والفرد يعمل للكل“، والذي يعزز بدوره المفهوم الراقي للعمل الجماعي كما تقدمه علوم الإيزوتيريك القائم على مبدأ التكامل المسؤول بين الأفراد وليس على التراتبيّة العموديّة أو الأنانيّة الأفقيّة. أيضًا الشعور النبيل كممارسة قائمة على إرادة الخير في التعامل مع الآخر القائم على قاعدة الانفتاح والتفاعل في آن.        

  رابعًا- الالتزام بالنظام والتنظيم بدءًا من مواعيد العمل والدوام والتفاصيل الصغيرة. أي التزام النفس الكامل بواجباتها ومسؤولياتها العمليّة. يقابلها التزام المؤسسات تأمين البيئة الأفضل (ماديًّا ومعنويًّا) والتي تنعكس بدورها زيادة في إنتاجيّة العاملين فيها. ناهيكم عما يحققه العمل من “تنظيم لاإرادي أو لاشعوري فكريًّا، جسديًّا، مشاعريًّا وصولًا إلى التنسيق بين حركة أجسام النفس وحركة أجسام الذات”… كما يذكر كتاب الإيزوتيريك “محاضرات في الإيزوتيريك – الجزء السادس“، ص30 بقلم د. جوزيف ب. مجدلاني (ج ب م)- مؤسس مركز علوم الإيزوتيريك الأول في لبنان والعالم العربي.  

       خامسًا-العدالة والإنصاف مع النفس والآخرين في ظل حكمة التصرف، وسوف يشمل ذلك العمل على تحقيق معادلة التوازن كحقّ مكتسب للفرد بين عمله وحياته الخاصة “Work life balance     

    سادسًا-المساواة على أنواعها (مساواة بين الأفراد… ومساواة بين الجنسين، مساواة بين الأديان الخ)… بمعنى أن للكفاءة، الجدارة، النزاهة، الخبرة، مستوى الوعي الى ما هنالك لها الكلمة الفصل.     

    سابعًا-وعي متقد لأبعاد ومعاني المسؤوليّة العمليّة مهما صغر أو كبر شأنها، في ضوء التجدد القائم على المبادرات الفرديّة النوعيّة وتبنيها…          لعلّ بعض ما تقدم يتلاقى مع “أخلاقيات العمل” المعروفة اليوم، رغم خلوّ هذه الأخيرة من البُعد الباطني. فيما الرابط الخفي أو العنصر المحرك لها برأيي هو فهم الفرد لمعاني وأبعاد ’الكارما‘ أي مبدأ السبب والنتيجة أو كما تزرع تحصد… إلى جانب توعي المرء إلى تأثير مسلكه في نفسه أوّلًا قبل الآخرين، وصولًا إلى يقين راسخ بأنّه “لا يصحّ إلّا الصحيح” مهما طال الزمن… هذا ما قد يؤدي أيضًا إلى تحرر ’أخلاقيات العمل‘ من صبغة ألوان المجتمعات وعاداتها، فتخرج من أطر النسبيّة والاستنسابيّة والحياديّة… لتغدو صورة مصغرة عن أخلاقيّات الذات الإنسانيّة في النفس البشريّة…

ببلاغة شديدة المسألة هي مسألة وعي ليس إلّا… وليس الطرح نظريًّا وطبعًا ليس حلمًا ورديًّا… فانتشار علم الإيزوتيريك وتبني الإنسان له تطبيقًا عمليًّا سوف يحوّل كل مستحيل واقعًا وكل حلم حقيقة… ولمن يتساءل ’كيف؟‘ و’متى؟‘، يأتي الجواب ببساطة السؤال، ليعمل الفرد بما يراه سديدًا في هذا الاتجاه وليترك ما تبقى في عهدة نظام الحياة…

قد يعجبك ايضا

Comments are closed.