رأس السنة الأمازيغية في المغرب.. زخم في الأطباق والاحتفالات



اقتنت الحاجة فاطمة أحضري كل ما يلزمها لإعداد عصيدة “تاكلا” وطبق “الكسكس بسبع خضار”، وهما الطبقان الرئيسان في مائدة تحضرها للاحتفال بمناسبة رأس السنة الأمازيغية 2971، حيث تواظب الحاجة فاطمة منذ سنوات على الاحتفال بهذا اليوم رفقة أبنائها وأحفائدها بمدينة الدارالبيضاء، كبرى مدن المغرب.

وتقول السيدة السبعينية ذات الأصول الأمازيغية، لـ”شبكة شايفك”، ” اعتدنا كل عام أن نحتفل برأس السنة الأمازيغية، هي تقاليد وعادات توارثنها جيلا عن جيل، وأحرص على نقلها لأبنائي وأحفادي”.

ويحتفل الكثير من المغاربة مثل الحاجة فاطمة برأس السنة الأمازيغية الذي يصادف 13 يناير من كل عام، ويطلقون عليه في المغرب تسميات عديدة، من قبيل “إيض يناير” أو “إيض سكاس” أو “حاكوزة”.

وكما تتباين التسميات، تتباين أيضا الموائد التي تحضر بالمناسبة من منطقة إلى أخرى، حيث تعد النساء الأمازيغيات أطباقا رئيسية متنوعة تلتف حولها العائلة الأمازيغية تلك الليلة، كطبق “أوركيمن” أو عصيدة “تاكلا” أو “إيمشيخن” وهناك من يفضل إعداد طبق “الكسكسي بسبع خضار”، فيما يبقى المشترك بين كل هذه الأطباق، ارتباط جميع مكوناتها بالأرض، وهو ما يجسد ارتباط الأمازيغ الروحي بالأرض و خيراتها.

ويأتي احتفال الأمازيغ بـ”إيض يناير” في المغرب هذه السنة، في ظل ظروف استثنائية بسبب الوضع الصحي المرتبط بفيروس كورونا وما ترتب عليه من تدابير احترازية واحتياطيات فرضتها السلطات لتفادي انتشار رقعة العدوى، وهو ما فرض على التنظيمات الأمازيغية التي دأبت على الاحتفال بهذا اليوم، الاقتصار على برنامج أنشطة رمزية وندوات عن بعد.

المحظوظ  يعثر على “أغورمي”

تتذكر الحاجة فاطمة كيف كانت تحتفل في قريتها – النخايل – ضواحي مدينة تاردانت، وسط المغرب، بليلة “إيض يناير” قبل أن تنتقل إلى الدارالبيضاء، وتقول “كنا لا نتوقف عن الغناء والرقص على إيقاع النغمات الأمازيغية خلال تلك الليلة، وكنا نقصد بيت جدتي رفقة نساء العائلة للمساعدة والمشاركة في إعداد الأطباق الخاصة بتلك المناسبة المميزة”.

وتضيف السيدة الأمازيغية أنها لا زالت تعد نفس الأطباق بذات الطريقة إلى يومنا هذا، سواء طبق الكسكسي أوعصيدة “تاكلا” التي تحضر بمزج بين دقيق الشعير أو الذرة مع الماء، وتوضع على النار لتنضج، قبل تقديمها تزين باللوز والتمر أو البيض المسلوق حسب الذوق، و يسكب وسطها زيت زيتون أو زيت أركان أو العسل.

وتقوم النساء بوضع أغورمي (نوى التمر) داخل عصيدة “تاكلا” قبل تقديمها لأفراد العائلة، حيث يعتقد أن من يعثر على النوى أثناء أكل العصيدة الساخنة، هو من سيكون الأوفر حظا خلال السنة الفلاحية الجديدة.

تقول الحاجة فاطمة إن  دس “أغورمي” في العصيدة بشكل عشوائي يعد أساسيا في الاحتفال برأس السنة الأمازيغية، وترقبنا أثناء تناول “تاكلا” من سيكون “أسعدي ناسكاس” (الشخص المحظوظ هذه السنة) يضفي نوعا من التشويق على هذه المناسبة””.

إحتفال بالأرض

تقول بنشيخ أمينة، رئيس التجمع العالمي للأمازيغي فرع المغرب، لـ “شبكة شايفك”، إن بعض العائلات استبدلت مع توالي السنين وضع نوى التمر التي تدسها النساء في الطبق بحبة لوز، وذلك تفاديا لابتلاع النوى دون انتباه، ووتابع أن هذه العادة المتوارثة منذ القدم ترمز للحظ والتفاؤل بسنة أفضل.

وفي منطقة تافروات الوقعة وسط جبال الأطلس الصغير، والتي تنحدر منها أمينة بنشيخ، توضع أيضا نوى التمر أو حبة اللوز في طبق “أوركيمن” الذي تلتف العائلات حوله خلال ليلة “إيض يناير”.

مكونات هذا الحساء الغني، حسب بنشيخ، متنوعة وتشمل العدس والحمص والشعير والأرز والذرة والفول إضافة إلى “الكرعين” (كوارع الخروف أو البقر)، وكلها وفق بنشيخ مكونات تجمع مما تبقى من مؤونة البيت السنوية وتستعمل في إعداد “أوركيمن”، الطبق الأمازيغي الأصيل.

الطعام الذي يستعمل للاحتفال بهذه المناسبة -الحبوب والقطاني-  مرتبط بالأرض وكل ما تجود به على الإنسان وفق الناشطة الأمازيغية، التي ترى أن الاحتفال بـ”إيض يناير” احتفال بعلاقة الأمازيغي الوطيدة بالأرض وجذورها.

وتشير أمينة بنشيخ، إلى أن هذا الاحتفال بدأ يأخذ زخما متزايدا خلال السنوات الأخيرة، بفضل الحركة الأمازيغية، لكن الاحتفال بالعام الأمازيغي هذه السنة سيقتصر على العائلات داخل المنازل، فيما ستكتفي الجمعيات الأمازيغية بتنظيم ندوات وأنشطة موسيقية عن بعد عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

كورونا تمنع الاحتفال الجماعي

هيئة شباب “تمسنا” الأمازيغي، إحدى الهيئات التي دأبت منذ سنوات على تنظيم احتفالات برأس السنة الأمازيغية أمام البرلمان المغربي، في العاصمة الرباط، حيث يحتشد الأمازيغ بلباسهم التقليدي ويحرصون على تقديم والعريف بالأطباق الخاصة بهذه المناسبة.

يقول عادل أداسكو، منسق هيئة شباب “تمسنا” الأمازيغي، إن الوضع الصحي الذي يشهده المغرب واستمرار فرض حالة الطوارئ الصحية بالبلاد من جراء تفشي كوفيد-19، يفرض هذه السنة الاحتفال بشكل رمزي تجنبا للتجمع وتفاديا لتفشي العدوى، مع القيام بمبادرة إنسانية تضامنية لفائدة الأطفال بالمناطق الجبلية النائية التي تعاني من قسوة البرد.

ويشدد الناشط الأمازيغي في تصريح لـ”شبكة شايفك”، على أن هذا الاحتفال  مناسبة لتجديد التأكيد على مطالب أساسية من ضمنها ترسيم هذا اليوم كعيد وطني ولإقراره يوم عطلة لجميع المغاربة، مع دعوة وزارة التربية الوطنية إلى إدراج البيانات التاريخية والأنثروبولوجية المتعلقة برأس السنة الأمازيغية ضمن المقررات الدراسية المغربية، من مرحلة الأساسي لتشمل جميع المراحل.

ورغم حالة الاستثناء هذا العام، فإن رأس السنة الأمازيغية يبقى تقليدا عريقا يحمل أكثر من دلالات بالنسبة للأمازيغ ويرمز إلى تشبتهم الوطيد بالأرض، بحسب أداسكو الذي يضيف، أن هذه المناسبة ترمز كذلك لدورة الفصول الطبيعية وتقاليد الحياة الفلاحية وعاداتها، بينما يرمز التقويم الأمازيغي للعمق التاريخي لوجود الأمازيغ على أرض شمال إفريقيا.

قد يعجبك ايضا

نسعد بتعليقك