خواطر الإمام الشعراوي.. «تكليف الله في طاقة الإنسان»

فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)”، الله سبحانه وتعالى يشرح لنا فى هذه الآية الكريمة كيف أن اليهود قوم معصية برغم نعم الله عليهم.. فلو أن الله سبحانه وتعالى كلفهم تكليفا لم يستطيعوه؛ لأنه شاق عليهم فربما كان لهم عذرهم.. ولكن الله تبارك وتعالى لا يكلف إلا بما هو فى طاقة الإنسان أو أقل منها.. فيقول جل جلاله: “لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت” “البقرة: 286”.

والله تبارك وتعالى لم يكلف بنى إسرائيل بأن يدخلوا هذه القرية التى يقال: إنها القدس ويقال انها قرية فى فلسطين أو قرية فى الأردن.. إلا بناء على طلبهم هم. فهم الذين طلبوا من موسى أن يدعو الله لهم أن يدخلوا واديا فيه زرع.. ليأكلوا مما تنتج الأرض ويطمئنوا على طعامهم.. لأنهم يخافون أن يأتى يوم.. لا ينزل عليهم المن والسلوى من السماء.. فلما استجاب الله لدعواهم وقال لهم ادخلوا الباب خاشعين. وقولوا يا رب حط عنا ذنوبنا.. بدل بنو إسرائيل القول فبدلا من أن يقولوا حطة قالوا حنطة.. وبدلوا طريقة الدخول فبدلا من أن يدخلوا ساجدين دخلوا على ظهورهم زاحفين.. وكان هذا رغبة فى المخالفة.. فأصابهم الله بعذاب من السماء بما كانوا يفسقون.. أى يبتعدون عن منهج الله ولا يطبقونه. رغبة فى المخالفة وإصرارا على العناد.

تفسير الآية رقم (60):

وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)”

ومعناها: اذكر إذا استسقى موسى لقومه.. وهذه وردت كما بينا فى عدة آيات فى قوله تعالى: “وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب” “الأعراف: 141”.

وقوله سبحانه: “وَإِذْ وَاعَدْنَا موسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً” “البقرة: 51”.

وقوله جل جلاله: “وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً” “البقرة: 55”.

وقلنا إن هذه كلها نعم امتن الله بها على بنى إسرائيل وهو سبحانه وتعالى يذكرهم بها. إما مباشرة وإما على لسان موسى عليه السلام. والحق يريد أن يذكر بنى إسرائيل حينما تاهوا فى الصحراء أنه أظلهم بالغمام.. وسقاهم حين طلبوا السقيا.

ولقد وصلت ندرة الماء عند بنى إسرائيل لدرجة أنهم لم يجدوا ما يشربونه.. لأن الإنسان يبدأ الجفاف عنده لعدم وجود ماء يسقى به زرعه.. ثم يقل الماء فلا يجد ما يسقى به أنعامه.. ثم يقل الماء فلا يجد ما يشربه.. وهذا هو قمة الجفاف أو الجدب.

وموسى عليه السلام طلب السقيا من الله تبارك وتعالى.. ولا تطلب السقيا من الله إلا إذا كانت الأسباب قد نفدت.. وانتهت آخر نقطة من الماء عندهم؛ فالماء مصدر الحياة ينزله الله من السماء.. وينزله نقيا طاهرا صالحا للشرب والرى والزرع وسقيا الأنعام.

قد يعجبك ايضا

نسعد بتعليقك