جمال الشناوي يكتب: أريد أن أقتل..!

عندما يحل الخطر.. تسقط الأقنعة، وينكشف مستور المشاعر وخبايا النفس. 

هي الحقيقة المجردة.. وهنا نراجع الثقة ويسقط الحب الزائف ونواجه الواقع الجديد. 
    

هي مسرحية لـ توفيق الحكيم كتبها في النصف الأول من القرن الماضي، تحكي عن زوجان سعيدان يتبادلان الحب والهيام كل دقيقة، الزوج لا يبالي بعدم قدرة زوجته على الإنجاب، ويرى أنها هبه من الله وكفى.. وهي منسحقة أمامه بسبب حسن الخلق والمحبة ناهيك عن التنازل عن زينة الحياة الدنيا وهي البنون.

حتى جاءت لحظة الخطر.. أحدهما لابد أن يموت برصاصات غريب اقتحم عليهم حياتهم “السعيدة”، هنا فقط سقطت الأقنعة.. وبات كل منهم يقدم الآخر إلى الموت محاولا النجاة بنفسه.. وتتجرد النفس البشرية التي تدثرت لربع قرن بمشاعر مزيفة.. ويكشف الزوجان كم الخداع المتبادل بينهما.

هذا المشهد قفز إلى مخيلتي وأنا أتابع ما يدور في محيطنا العربي والدولي، ويبدو أن الأخطار المبتكرة التىي تواجه العالم وطبعا مصر، تتوجب علينا أن نسقط كثير من القواعد والالتزمات التي عشنا عليها لعقود طويلة.

الحقيقة لا أعرف إذا ما كان هناك فريق من صناع المستقبل والقوة الذكية يعكفون على دراسة الواقع، وتقديم رؤى جديدة غير تلك التي يسير على دربها العالم الثالث أو النامي. حتى مصطلح العالم الثالث بات في طريقه للإنقراض.

يبدو أن الحالة الدولية تعود إلى ما يشبه سنوات ما بعد الحرب العالمية.. قواعد جديدة ستحكم العالم، القانون الدولي الذي تم سنه في تلك الظروف بات بعيدا عن الواقع وغالبا غير قابل للتطبيق إلا بشكل انتقائي.

هل تريد أمثلة على سقوط القانون الدولي، وعدم تطبيقه إلا حسب رغبة الأقوياء في هذا العالم، أنظر حولك ستجد هناك من يدعم إسرائيل مثلا على سحق القانون الدولي فقد صدر ضدها عشرات القرارات من مجلس إدارة العالم وهو مجلس الأمن.. ونجد أن الأطراف الأقوى والتي لم تستطع ربما أخلاقيا الاعتراض أو استخدام الفيتو في حينها، هي من تسحق القانون وقرارات مجلس الأمن.

أتريد مثل آخر.. علينا النظر شمالا لتجد العصابة الحاكمة في تركيا وهي تطلق خيال الرجل المريض فيدفع بقواته إلى منطقة أخرى في شمال سوريا، ويحمي عشرات الآلاف من الإرهابيين.. نعم إرهابيين حسب تصنيف القوى الكبرى في العالم.. يهاجم دولة داخل حدودها ويدمر جيشها، والشطر الغربي من العالم لا يدين ولا يشجب ولا يطلب منه التراجع إلى حدوده الدولية.

وحكاية حدوده الدولية لها قصة.. مؤخرًا اقتحمت المخابرات التركية مكاتب إحدى الوكالات الصحفية الأجنبية على أراضيها.. لمجرد أن تقريرا أعدته الوكالة عن حق سوريا في محافظة هاتاي المحتلة من تركيا.. وخلص التقرير أنها أراضا.. سورية واحتلها الأتراك، وبتواطئ من الاستعمار القديم تم ضمها لتركيا.

لم يتحرك حراس حقوق الإنسان والمدافعين عن حرية الصحافة في العالم الغربي، للزود عن حرية الرأي والتعبير التي استخدمت بالحق حينا وبالباطل أحيانا لاختراق دول في المنطقة وسحقها في بحور من الفوضى.

هل استيقظ الضمير الإنساني وتحرك حراس القانون الدولي لحماية الشعب السوري الذي بات نصفه مشردا بين خيام في الداخل أو على حدود دول أوروبية.. والنصف الآخر يعيش أجواء حرب أهلية استعرت قبل عشر سنوات تقريبا بزعم الحريات الأساسية  للإنسان السوري وحقه في التعبير عن رأيه.. حتى أصبح حقه في التشبث بالحياة هو المتاح فقط الآن؟

الحقيقة أنني أظن أن العالم الآن في طريقه إلى حقبة جديدة وبقواعد مختلفة عما كان عليها بعد دمار الحروب العالمية التي ربما أيقظت ضمائر المنتصرون، لبعض الوقت وما لبث أن عادت تلك الضمائر إلى النوم العميق.

تركيا وغيرها ضاقت بخرائط العالم، وحدود تلك الدول، فباتت كل منها تريد التخلص من التزامات واتفاقات دولية تم توقيعها في بدايات القرن العشرين وقت ما كانوا غارقين في هزيمة مذلة وخاضعين لشروط المنتصر.. نعم هذه هي القصة ولا غيرها.. دول كثيرة تريد التمرد على الماضي واتفاقاته وتطمع في استغلال فوضى الحاضر وحساباته للتملص.. ولكم في إثيوبيا وبعض دول حوض النيل مثالا في التحفظ والاعتراض على اتفاقات تقسيم مياه النيل.

هل من حقنا نحن أيضا أن نعود عن قواعد قانون دولي باتت غير مناسبة لطموح مصر، لا أظن أن مصر تفكر بهذه الطريقة الأقرب إلى عصابات المافيا المنظمة، عنها من أسلوب تصرف الدول.. وهنا يبقى السؤال هل المحيط الدولي حولنا سيحترم سلوكيات الدول القويمة الملتزمة.

كما أرى وأتمنى أن يكون لدينا سيناريوهات بديلة.. فالعالم الآن تسقط عنه الأقنعة، وبدت الأسلحة الجديدة المستخدمة ليست دبابات وطائرات فقط.. فسلاح الكورونا الآن ينافس القنبلة الذرية.. وما حدث للصين خير دليل لو استسلمنا لتحليلات وتفسيرات كثيرون في الشرق والغرب أن الفيروس تم تصنيعه في مختبرات غربية.

أحد أهم الخبراء الروس خرج علينا يتهم رسميا الولايات المتحده التي تملك 25 مركز للبحوث البيولوجية والفيروسية في دول محيطة بالصين وروسيا.

الرجل الذي تحدث على شاشة قناة روسية رسمية، قال: “أمريكا تحاصر الصين بمراكز في 25 دولة.. وأن كورونا هو نتاج تجارب أمريكية.. وقال الرجل الذي رأس اللجنة الدولية لحظر السلاح الكيماوي سابقا، أنه يتحدث بمعلومات وليس تحليل.

                                                 *  *  *  *
الآن هذا هو الموقف الدولي الجديد، القوة هي الأصل فى تطبيق القانون أو سحقه، كيفما تريد الدول الكبرى، وحسنا فعلت مصر.. ومن الرائع أن تم تحديث الجيش المصري وتقدمه إلى قائمة العشر الكبار في العالم، وأذكر يوما قال لنا مسئول بعد وقت قليل من اختيار السيسي وزيرا للدفاع أن الجيش تبدل.. وتم تطويره وتحديثه بالكامل.

نعم نحن في العشر الكبار، وأظنه غير كاف، فبات علينا أن نعيد دراسة سياساتنا، وسلوكنا في المحيط والإقليميي والعالم.. خاصة مع بزوغ نوع جديد من الحروب الساخنة والباردة والتي تجري في صمت شرقا وغربا.

أشكال الحروب الجديدة ستتزايد وسيتم تغيير خريطة وحغرافيا العالم من جديد، دولا ربما تختفي وأخرى ستتوسع، ليس فقط  باستخدام قوة السلاح ولكن بأنواع مبتكرة من القوة.. ليس بينها الناعمة والخشنة فقط.. لكن القوة الذكية التي تدير العالم الآن.

وهو نوع من القوى الاستنتاجية، التي تم تجربيتها منذ عقود في الغرب.. ولعل أبرز مثال أزمة دعم فرنسا لباكستان بمفاعل نووي قبل نصف قرن.. وكيف تم إفشال الصفقة باستخدام أنماط مبتكرة في حينها من القوة الذكية.

مصر تواجه الآن أهم تحدياتها الداخلية والخارجية، والأهم كما أرى هو التحدي الداخلي، الذي يتمثل في جلوس مسئولي الواسطة وموظفي المحسوبية على أركان ومفاصل الدولة.. وفى كل قطاعات الدولة المهمة وغير المهمة كان الاختيار لمن يملك كارت توصية من قيادي بالحزب الوطني.. أو نائب قوي في البرلمان.

أظن أن الخطوة الأولى لو كنا جادين في حماية مصر وحدودها في القرن الجديد، وقواعد اللعبة المستحدثة علينا أن نخوض ثورة تطهير من الفسدة والجهلة، وإنصاف الموهوبين الذي يجثمون على صدر مصر منذ عقود.

أذكر أنني زرت المبنى الذي شهد كتابه الدستور الأمريكي، والذي أغلق ما يسمونهم الآباء المؤسسين الأبواب عليهم.. للانتهاء من كتابة دستور أمريكا الحالي.. ونحن الآن أحوج إلى قرار مشابه، نغلق علينا أبواب التفكير لتنفيذ عمليات إصلاح وترميم سريعة وحتمية لمستقبل بلادي.

قد يعجبك ايضا

نسعد بتعليقك