أول «مسحراتية» في الصعيد: «ورثتها عن أجدادي (صور وفيديو)

هنا في جنوب مصر، وبالتحديد بمحافظة قنا، حالة فريدة من نوعها، للسيدة “زينب محمد محمود”، والتي امتهنت مهنة “المسحراتي”؛ لتصبح من النساء القلائل اللواتي يعملن بها، على الرغم من أنها بلغت من العمر أرذله، واستمرت في مهنتها لأكثر من 45 عامًا.

السيدة العجوز البالغة من العمر 74 عامًا، والمقيمة في مركز قوص، والتي كشفت تجاعيد وجهها عن معاناة سنوات قد مضت، ونبرات صوتها المليئة بالشجن؛ لتدعو الناس للبهجة والسرور على الرغم من اقتصار تلك المهنة على الرجال فقط.

في العام الأول لها، عُرفت شكلًا بأنها ابنة المسحراتي القديم محمد محمود، وأيضًا حفيدة المسحراتي محمود، لكن في عامها الثاني باتت أكثر شُهرة من عامها الماضي، طوال ثلاثين ليلة تبقى على العهد، بأن تحيي ذكرى والدها، وجدّها التي لم ترث منهما مالًا، وأراضي، وعقارات، سوى هذه المهنة، تتبع نهجهما، وتتمسك بالفرحة التي كانا يدخلانها على سكان مدينتها.

في منتصف الليل وتحديدًا مع دقات الثانية والنصف من فجر كل يوم، وبعد يوم شاق من صيام شهر رمضان، تأخذها خطواتها للتجول في الشوارع، ليس بغرض التنزه ولكن لتكون امرأةً في صعيد مصر بل الأقدم التي تعمل بالمهنة، فهي سيدة ليست من طبيعة مختلفة، لكنها تملك من الجرأة والقوة، تمتهن مهنةً ظلت طوال التاريخ الإسلامي للرجال فقط.

عرف الأهالى بمحافظة قنا السيدة بـ”أم حسن” التي تخرج ليلاً ومن خلفها الأطفال، تنادي عليهم وتردد الأغاني والتواشيح الدينية لتبث فرحة الشهر الكريم في قلوب قاطني تلك المنطقة، على الرغم من التحديات الكبيرة التى تواجهها في عملها فإنها لا تنظر لها بنظرة الضعف ولكنها ما زالت تثابر بكل ما أوتيت من قوة حتى تستمر في مهنتها.

 تجمع السيدة الجنوبية، بين القيمة التراثية للمسحراتي، وترافق قيامها بهذا الدور كسيدة، ففي طقوس رمضان وعاداته متسع للجميع رجالًا ونساءً، فتخرج لعملها وهي تمسك بين أيديها أدواتها، المكونة من الصوبة والطبلة، ليتدخلا معًا في تناغم يشق سجون الليل فيجذب انتباه المارة في الشوارع ويوقظ النائمين في المنازل، في مشهد يبدو غير مألوف لسيدة تقوم بدور المسحراتي لتحافظ علي العادة الرمضانية القديمة، ذاهبة مبتسمة إلى ضواحي بلدتها، تاركة هموم الدنيا.

مسحراتية الصعيد 2

قالت السيدة، إنها ورثت تلك المهنة عن والدها وأجدادها، لافتة إلى أنها في بادئ أمرها، نشأت الفكرة في مخيلتها بالحزن عقب وفاة والدها المسحراتي، مفسرة شعورها قائلةً: “أول رمضان يعدي من غير مسحراتي بعد ما أبويا مات، مافيش حد هينادي ويصحي الناس”.

وتُسحر السيدة مواطني بلدتها على أنغام طبلتها منادية: “أنا اللي مدحت النبي عليه صلاة وعليه نور.. أرض خطرها النبي صبحت تطلع نور.. نور على نور يا نبي الله يزيدك نور.. لما تطلع البهية أبراجها وتدور.. نزلت تسلم على اللي خدت منه النور.. يا قلبي صلي على اللي وضعته يامنه.. عاش قد ما عاش عمره روحنا يامنه.. جات آمنة وضعته أمه وجده إبراهيم سماه.. كشفوا على لحيته لقيوه رسول الله، إصحى يا نايم وحّد الدايم”.

قد تكون أبيات وشعارات لم تسمعها من قبل، ولكنها أبيات تراثية تستخدمها السيدة الصعيدية طوال شهر رمضان، مشيرة إلى أن هذه الأبيات كانت تستخدم في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي.

أوضحت السيدة أن أسرتها المكونة من 5 أبناء، عارضتها من أجل ترك تلك المهنة، خوفًا على صحتها، لكنها لم تمتنع عن تأدية واجب مهنتها، على الرغم من أنها مريضة بأمراض الشيخوخة، فيصيبها الإجهاد من صوم يومها، وتقاوم السعال الذي يطرق حياتها كل يومين، فلقد حني ظهرها الجهد والشقاء، لكنها لم تنحن حبًا في الحياة والبقاء، إذا اطّلعت على حالتها المعدومة بالفقر، ومشنوقة بالجدب لرأيت في حمدها وشكرها، رضاء ما بعده رضاء، قائلة: “التعب ده على قلبي زي العسل، زمان أبويا كان بيقوللي محبة الناس، وإنك ترسمي ابتسامة على وش حد دي بالدنيا كلها”.

هذه المهنة لم تكن لكسب المال لتلك السيدة العجوز، بل لسبب آخر مضيفة: “أنا فقيرة وربك وحده الغني، وطالما ربنا خلقنا بجسد عايشين بيه، اتحتم واتفرض علينا زكاته، وأنا ست رزقها على باب الله، لكن ما باليد حيلة غير نزكي على أرواحنا بتسحير الناس، بجانب أنها عادة أبويا وجدي من 100 سنة”.

وأشارت إلى أنها ضربت بجميع العادات والتقاليد عرض الحائط وخاصة المجتمع الصعيدي المتحفظ على عمل المرأة في مهن معينة، حيث إنها تفعل ما تريد وما تشاء، وتداوم على عادتها السنوية قائلة: “ماحدش يقدر يهوب ناحيتي، اللي يكلمني أنا ممكن آكله باسناني فأنا لا أخاف ولا أهاب ذئاب البشر أثناء ممارسة عملي، فأنا بـ100 راجل”.

قد يعجبك ايضا
نسعد بتعليقك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.