جلال الدين الرومي .. مولانا الصوفي الذي أحب الحب

سيرة حياة جلال الدين الرومي : هو واحد من أبرز وأعظم الشعراء في التاريخ، وقد كان له تأثير مباشر في العديد من الثقافات الشرقية والغربية، كما أن مؤلفاته تعد من أهم الكتب التراثية ولا تزال رائجة حتى اليوم وتحقق نسب مرتفعة من المبيعات رغم مضي مدة على كتابتها. فترى كيف كانت سيرته ومسيرته؟ وما أبرز الأعمال التي قدمها خلالها؟

جلال الدين الرومي هو فقيه إسلامي على المذهب الحنيفي وشاعر متصوف وصاحب المُجلد المثنوي الشهير والذي كُتب باللغة الفارسية، ويُقال أنه قد جمع الكتاب بناء على طلب تلاميذه ومُريديه، ليصبح المثنوي بذلك واحد من الكتب التراثية الثمينة المحتوية على خلاصة خبرة وأفكار وإرشادات واحد من أبرز وأشهر علماء الصوفية، وقد اشتهر مولانا جلال الدين الرومي في التاريخ بأشعاره التي أعلى فيها من قيمة الحب الذي جعله أحد أسس علاقة العبد مع خالقه عز وجل، كما كان للرومي أثر بالغ في الثقافة العربية والفارسية.

جلال الدين الرومي .. من هذا؟

الميلاد والأصل والنشأة :

جلال الدين الرومي واسمه بالكامل جلال الدين محمد بن بهاء الدين بن حسين بن الخطيبي بن القاسم بن المسيب، ويُشار له باسماء أخرى مثل جلال الدين البلخي ويُقال أن نسبه ينتهي إلى الصحابي الجليل وخليفة المسلمين أبي بكر الصديق رضي الله عنه.. وُلِد الرومي في منطقة بلخ في خراسان (أفغانستان حالياً) وكان ذلك في الثلاثين من سبتمبر عام 1207م، بينما تشير بعض المصادر إلى أنه وُلِد في مدينة صغيرة كانت تتبع الامبراطورية الخوارزمية تسمى واخش (طاجيكستان حالياً).

نشأ جلال الدين الرومي في كنف عائلة مسلمة عالية الشأن، حيث أن والده بهاء الدين كان قاضياً وعالم دين عُرف باتساع علمه وكان يحظى بمكانة عالية في قومه، أما والدته فهي مؤمنة خاتون سلسيلة عائلة خوازم شاه الحاكمة.

حروب المغول والتهجير :

لم يعرف جلال الدين الرومي في طفولته أو شبابه أي من أشكال الحياة المستقرة، حيث أنه كان دائم التنقل بين البلدان لأسباب مختلفة، تارة بسبب عمل والده القاضي الذي استوجب انتقاله من قرية لقرية وبلدة لبلدة، وتارة بسبب اجتياح المغول البلاد الإسلامية الواقعة -آنذاك- تحت سيطرة الامبراطورية الخوارزمية.

انتقل الرومي في البداية إلى العاصمة العراقية بغداد وكان عمره آنذاك حوالي أربعة أعوام، وبعد حروب المغول انتقلت العائلة إلى نيسابور، ومنها انتقلت إلى عِدة بلدان أخرى مثل الأناضول وكارمان ومكة المكرمة إلى أن انتهى بها المطاف مستقرة في قونية.

التعليم :

تنوعت المصادر التي استقى جلال الدين الرومي منها العالم تبعاً لتنوع الأماكن التي نشأ بها، وكانت بدايته مع التعليم في بغداد التي زارها وهو في الرابعة من عمره، حيث حرص والده على ضمه إلى المدرسة المستنصرية التي تلقى بها التعليم الأساسي، والذي يتمثل في التعرف على مبادئ الحساب والقراءة والكتابة إلى جانب بعض العلوم الدينية وحفظ آيات القرآن والأحاديث النبوية الشريفة، ثم تلقى العلم عن والده بهاء الدين البلخي والشيخ سيد برهان الدين محقق وتأثر بتعاليم كلاهما تأثراً كبيراً، ثم سافر إلى سوريا حيث تلقى العلم على أيدي كبار مشايخ دمشق وفي مقدمتهم الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي.

عمله في مجال التدريس :

انتقل جلال الدين الرومي في شبابه وتحديداً في العام الهجري 623 إلى مدينة قونية، والتي كانت آنذاك تقع ضمن أراضي دولة السلاجقة الأتراك، وكان توجههم إليها بناء على دعوة تلقاها والده من حاكم الأناضول علاء الدين كيقباذ، الذي أسند إلى الوالد مهمة إدارة المدرسة الرئيسية في قونية، وحين ظهرت براعة الرومي الابن في علوم الدين فأسندت إليه مهمة التدريس وإلقاء المواعظ في المدرسة خلفاً لوالده المتوفي.

صداقته للتبريزي :

رغم أن شمس الدين التبريزي لم يكن واحد من مُعلمي جلال الدين الرومي إلا أنه كان من أكثر الشخصيات المؤثرة في حياته ومسيرته، وقد بدأت علاقتهما بوصول التبريزي إلى مدينة قونية عام 1244م، وهناك التقى بالرومي وجمعتهما صداقة قوية ووطيدة، استمرت إلى أن تم اغتيال التبريزي على يد فاعل مجهول، ويُقال أن الرومي لم يحزن في حياته مثلما أحزنه فراق صديقه المقرب.

أحب جلال الدين الرومي صديقه شمس الدين تبريزي بدرجة كبيرة، حتى أنه بعد وفاة الأخير نظم فيه العديد من الأشعار تكون منها ديوان شعري كامل اسماه ديوان شمس الدين التبريزي ويُعرف كذلك باسم الديوان الكبير.

شعر جلال الدين الرومي :

قام جلال الدين الرومي بنظم مئات القصائد الشعرية باللغتين العربية والفارسية، وهو من الشعراء القلة اللذين وصل إلينا إنتاجهم الشعري شبه مُكتمل، حيث تم جمع أشعار الرومي في صورة دواوين من أهمها مجموعة مجلدات المثنوي أو مثنوية المعاني ومجلدات المجالس السبعة ورسائل المنبر وغيرها.

قصائد مثنويه المعاني تأتي على رأس أعمال جلال الدين الرومي الشعرية من حيث درجتي الأهمية والانتشار، وهي عبارة عن مجموعة قصائد تم نظمها بواسطة اللغة الفارسية واحد من الكتب الصوفية الأكثر أهمية، كما تشير بعض المصادر إلى وجود نسخة أخرى من الكتاب باللغة العربية كتبها الرومي بنفسه.. تأتي رباعيات الرومي في المرتبة الثانية من حيث درجة الأهمية، وهي مجموعة من القصائد الشعرية بلغ عددها نحو 1600 رباعية تقريباً يتعدى عدد أبياتها 3300 بيتاً.

نثر جلال الدين الرومي :

رغم أن جلال الدين الرومي يشتهر بصفته شاعراً إلا أن الأعمال الأدبية الخاصة به لم تقتصر على هذا النمط الأدبي، حيث أنه قدم العديد من النصوص النثرية والتي لا تقل أهمية وإبداعاً عن قصائد الشعر.. من أبرز أعمال جلال الدين الرومي النثرية كتاب الرسائل والذي يحتوي على كم هائل من الرسائل التي وجهها إلى تلاميذه ومريديه، وكذلك كتاب المجالس السبعة والذي يحتوي على مجموعة من المواعظ التي كان يلقيها الرومي في المناسبات المختلفة، ومنها مواعظ ذات طابع ديني تتمحور حول تفسير القرآن الكريم وشرح الأحاديث النبوية الشريفة.

كتاب فيه ما فيه هو من الكتب النثرية التي تنسب إلى جلال الدين الرومي على الرغم من أنه لم يؤلفه بنفسه، حيث عمل تلاميذ الرومي على تجميع خطبه وعظاته التي ألقاها في مناسبات مختلفة خوفاً عليها من الضياع، وضمنوها في مُجلد واحد أطلقوا عليه اسم كتاب فيه ما فيه، ويمتاز هذا المُجلد بتنوع محتواه وتعدد القضايا المطروحة من خلاله.

الزواج والأبناء :

تزوج مولانا جلال الدين الرومي لأول مرة خلال فترة السبع سنوات التي قضاهم في مدينة لارندة أو كارمان الواقعة حالياً ضمن الأراضي التركية، وكانت زوجته الأولى السيدة جوهر خاتون، وقد حظي معها بحياة هادئة ومُستقرة ورُزق منها بابنين هما سلطان وعلاء الدين، واستمر زواجهما إلى أن توفيت جوهر خاتون فتزوج الرومي من امرأة أخرى وأنجب منها ابنه الثالث أمير العلم وابنته الوحيدة ملكة خاتون.

أفكار الرومي بين الإسلام والديانات الأخرى :

أول ما يلفت النظر في إنتاج جلال الدين الرومي الشعري والنثري هو انجذاب المتلقين إليها على اختلاف جنسياتهم ودياناتهم وعقائدهم، والسر في ذلك يعود إلى الروح السمِحة والفكر المرِن المستنير الذي امتاز به الرومي وأبرزه من خلال كتاباته والمواعظ التي ألقاها، حيث أن الرومي أقر بحرية العقيدة وكان يحث أتباعه على عدم التفرقة بين المسلمين والمسيحيين واليهود، ويأتي هذا في سياق هدفه الأكبر والأكثر شمولاً الذي ركزت عليه تعاليمه وهو الحث على الإحسان والخير واتخاذ عاطفة المحبة وسيلة لإدراك مختلف الأمور.

أثره وإنجازه :

تمثل أشعار وتعاليم جلال الدين الرومي واجهة مشرفة للإسلام أمام أصحاب الديانات السماوية الأخرى، حيث عنى الرومي بإيضاح لب الإسلام الوسطي السمِح الذي جاء ليرسخ مبادئ العدالة والمساواة وكفل حرية العقيدة والرأي، هذا بالإضافة إلى القيمة الفنية لأعماله الأدبية، والتي أثرت في العديد من الحضارات والثقافات حول العالم منها الثقافة العربية والثقافة الفارسية والتركية والبنغالية وغيرهم، ولا يزال تأثير الرومي مستمر إلى العصر الحديث.

قواعد العشق الأربعون :

من أبرز الأدلة على تأثير جلال الدين الرومي في الثقافة الحديثة والمعاصرة، أن واحدة من أبرز وأشهر الروايات الحديثة تم استمداد أحداثها من السيرة الذاتية لهذا الصوفي الشهير، وهي رواية The Forty Rules of Love أو رواية قواعد العشق الأربعون للكاتبة التركية إليف شافاق، وتدور أحداث الرواية في خطين متوازيين أحدهما يدور حول علاقة الصداقة التي ربطت بين جلال الدين الرومي وشمس الدين التبريزي، كما تبرز الرواية جانباً من تعاليم وأفكار الرومي الصوفية.

صدرت الرواية في عام 2010م وحققت نجاحاً مدوياً حيث وصل عدد النسخ المبيعة منها في تركيا إلى أكثر من نصف مليون نسخة، وفي الأعوام التالية تم ترجمة الرواية إلى العديد من اللغات الحية، وتصدرت الرواية قوائم الكتب الأكثر مبيعاً في العديد من الدول حول العالم.

جلال الدين الرومي ومادونا :

الدليل الثاني على الأثر الذي تركه جلال الدين الرومي في الثقافات المختلفة سواء الشرقية أو الغربية، هو أن عدد من المطربيين الغربيين قد تغنوا بأشعاره وأبرزهم مغنية البوب الأمريكية مادونا، ويرجع النقاد في السر في ذلك إلى تركيز الرومي في أشعاره على قوة الحب وتعظيمه لشأنها.

الترجمة والانتشار :

رغم مضي عِدة قرون على مفارقة جلال الدين الرومي للحياة إلا أنه لا يزال حاضر بقوة على الساحة الثقافية العالمية، وذلك من خلال مؤلفاته التي تمت ترجمتها إلى العديد من اللغات المعاصرة،  وقد لاقت مؤلفات الرومي صدى واسع حول العالم وحققت انتشاراً واسعاً في العديد من الدول، الأمر الذي أدى إلى مضاعفة شعبيته حول العالم، حتى أن تقارير قناة BBC الصادرة في عام 2007م وصفت جلال الدين الرومي أو البلخي بالشاعر الأكثر شعبية في الولايات المتحدة الأمريكية.

السنوات الأخيرة والوفاة :

لم ينقطع جلال الدين الرومي يوماً عن طوال حياته عن تلقي العلم ونقله إلى أتباعه ومريديه ونشر أفكاره وتعاليمه، حيث استمر حتى وفاته في عقد المحاضرات بصفة مستمرة وإلقاء المواعظ في مختلف المناسبات، إلى أن فارق الحياة في السابع عشر من ديسمبر عام 1273م، وقد تم تشييع جثمان مولانا جلال الدين الرومي في جنازة حاشدة حضرها أعداد غفيرة من تلاميذه ومريديه ومحبيه، والدليل الأكبر على الشعبية الطاغية التي حظي بها الرومي هو أن شارك في جنازته المسلم وغير المسلم، ويشير المؤرخون إلى أن جنازة الرومي قد حضرها أشخاص يتبعون خمس ملل مختلفة.

دُفن جلال الدين الرومي في مدينة قونية بجانب قبر والده تبعاً لوصيته، وقد أطلق محبيه ومريديه على ليلة وفاته اسم ليلة العُرس، والتي تحولت فيما بعد إلى احتفال شعبي لا يزال يحييه الصوفيون حتى يومنا هذا.

قد يعجبك ايضا

نسعد بتعليقك